الزيدية: علامات وأفكار ..الخصائص الفكرية والمؤثرات الثقافية



النشأة والتكوين

تنسب الزيدية[1] إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين المتوفى بالعراق سنة 122هـ/739م، ويعتقد الزيديون أن نسبتهم إلى الإمام زيد ما هي إلا نسبة اعتزاز وافتخار لا نسبة تقليد كلي كما هو الحال لدى المذاهب الأخرى، ذلك أن الإمام زيد -من وجهة نظرهم- ليس أولى بالتقليد من غيره من أئمة آل البيت المعاصرين له، ولا أنه أولى بالتقليد من الإمام القاسم بن إبراهيم المتوفى سنة 246هـ/859م، أو حفيده الإمام الهادي إلى الحق يحيى ابن الحسين المتوفى سنة 298هـ/910م، أو غيرهم. كما وفي المقابل، فإن الزيدية تُحرِّم التقليد على كل عالم مجتهد، علاوة على أن هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على نفسه، ولا أطلقها أتباعه من بعده أيضاً على أنفسهم، بل أطلقها الحكام الأمويون على كل ثائر علوي عليهم من آل البيت، ليصبح شعاراً رسميًّا للفريق القائل بحتمية الخروج على الحاكم الظالم من وجهة نظرهم بعد ذلك[2].

وعليه فقد أطلقت كلمة الزيدية على العديد من أئمة آل البيت، ومن تابعهم أو وافقهم في الاعتقاد:

* بعدل الله المطلق.

* وتوحيد الله في ذاته وصفاته دون تجسيم أو تشبيه أو تعطيل.

* وأفضلية الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأولويته بالإمامة.

* والقول بإمامة الإمام زيد بن علي.

* واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب لا بالوراثة أو القوة.

* ووجوب الخروج على الحاكم الظالم في حال توفر الشروط اللازمة لذلك، المقررة في كتبهم.

* والقول بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل منه[3].

أمّا ما عداها من الأمور فكلٌّ وما أدّى إليه نظره؛ ويمثل إجماع أئمة آل البيت بالنسبة للزيدية المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، من بعد الكتاب، والصحيح من السنة النبوية[4].

وتحتل مسألة الإمامة الجانب الأكبر في ثنايا الكتب والمؤلفات الزيدية، حيث شكّلت فارقاً جوهريًّا بينهم وبين مختلف الفرق الشيعية والسنية على السواء.

ذلك أنها [أي الإمامة] -ومن بعد استحقاق الإمام علي وولديه الحسن والحسين رضوان الله عنهم بالنص الخفي المؤول من وجهة نظرهم- لم تنحصر في أحد بعينه، كما لا يرتكز بناؤها على الوراثة، ولا تقوم بالوصية، وإنما بالترشيح من قبل الشخص العارف من نفسه الأهلية والصلاحية عبر إصداره لمنشور الدعوة الذي يوضّح فيه موجبات دعوته وصحة أهليته للقيام بأمر الإمامة، ويبيّن من خلاله منهجه العملي، وعند ذلك يجتمع رجال أهل الحل والعقد لمناقشته إن كان غير معروف لديهم، ومن ثم يتشاورون فيما بينهم لبيان مدى استحقاقه لتولي الأمر، فإذا ارتضوه بايعوه، وإذا لم يرتضوه نظروا فيمن يصلح للخلافة والإمامة فيرشحونه لذلك[5]. كما تقرر الزيدية عدم العصمة للإمام، ومن أجل ذلك فهم يقررون عزله إن خان أو أصابه عجز.

وتشترط الزيدية في الإمام توفر عدد من الشروط وهي: علاوة على ما يقرره علماء السياسة الشرعية من:

1) الإسلام.

2) البلوغ.

3) العقل.

4) الذكورة.

5) الحرية.

6) سلامة الحواس والأطراف.

7) أن يكون مجتهداً مطلقاً.

8) عدلاً.

9) سخيًّا.

10) مدبراً.

11) مقداماً.

12) لم يتقدّمه مجاب الدعوة (أي من يصلح للإمامة).

13) أن يكون علويًّا فاطميًّا، وهو شرط أولوية لدى أغلبهم وليس شرط وجوب[6].

وبالرغم من أن فقهاء السياسة الزيدية قد تطابقوا في رأيهم القاضي بشرط العلوية الفاطمية لتولي أمر وواجبات الإمامة مع فقهاء السياسة الشرعية في مذاهب أهل السنة قاطبة، المشددين على وجوب تحقق شرط القرشية في النسب لصحة الخلافة الشرعية[7]، إلا أنهم لم يتشددوا في ذلك بصورة مطلقة، حيث جعلها الفقهاء الزيديون شرط أولوية لا شرط وجوب، فاتحين بذلك باب الاجتهاد في هذه المسألة، ومؤكدين على رفض مبدأ التوارث في الحكم، باعتبار أن تولي الإمامة لا يكون إلا بالفضل والاستحقاق، وليس بالنسب والوراثة، منطلقين في ذلك من معطيات مادية ومعنوية عديدة مبيَّنة في مجمل كتبهم الشرعية[8].

وهو ما انعكس أخيراً في كثير من تجليات أفعالهم السياسية خلال حقبة العهد الجمهوري في اليمن، التي أيّد فيها العلماء الزيديون قاطبة أمر تولي ولاية الأمة للكفء من أبناء اليمن، الذي يتم ارتضاؤه بوسائل الاختيار الديموقراطي، بغض النظر عن نسبه وانتمائه[9]. ولم يكتفوا بتسويغ ذلك نظريًّا، بل عمدوا إلى المشاركة الفاعلة في نظام الحكم الجديد، وتولي العديد من الوظائف الشرعية والإدارية فيه.

وقد عد العلماء مجموعة من الأئمة باعتبارهم مؤسسين رئيسيين للمذهب الزيدي وهم:

* الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المتوفى سنة 122هـ/739م.

* الإمام محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل (ت 145هـ).

* الإمام الحسين الفخي بن علي بن الحسن المثلث (ت 169هـ).

* الإمام يحيى بن عبد الله الكامل (ت 175هـ).

* أخيه الإمام إدريس بن عبد الله (ت 175هـ).

* الإمام محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج (ت 199هـ).

* الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى المتوفى سنة 200هـ.

* الإمام محمد الديباج بن جعفر الصادق (ت225هـ).

* الإمام إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق (ت بعد عام 200هـ).

* الإمام القاسم بن إبراهيم الرسّي المتوفى سنة 246هـ.

* الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي المتوفى سنة 298هـ.

* الإمام الناصر لدين الله الحسين الأطروش بن علي بن الحسن بن عمر الأشرف ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت سنة 304هـ) وهو المؤسس للمذهب والدولة الزيدية في خراسان (منطقة طبرستان والجيل والديلم)[10].

ويعتبر الإمام يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم بن إبراهيم الرَّسِّي الملقب بالهادي إلى الحق، الذي كانت قد تركزت في شخصيته زعامة آل البيت الفكرية والقيادية في الحجاز[11]، المؤسس لدولة الأئمة الزيدية باليمن، حيث توجه إلى اليمن قادماً من قرية «الدور» بمنطقة وادي الفُرْع في الجنوب الغربي من المدينة المنورة سنة 284هـ/897م[12]، بدعوة من بعض زعماء القبائل اليمنية ليقوم بحل المنازعات والحروب التي استشرت بينهم، وليكون عمودهم الديني والسياسي الذي يرتكزون عليه، خاصةً وأنه قد انتشر في اليمن خلال تلك الفترة أتباع المذهب الإسماعيلي بزعامة الدَّاعيين الحسن بن حوشب (منصور اليمن) وعلي بن الفضل الخَنْفَري، اللذين تمكنا من بسط نفوذهما على معظم المناطق اليمنية، وفشل الزعامات القبلية اليمنية من التصدي لذلك التوسع أيضاً، وبخاصة مع احتدام النزاع فيما بينها حول مقاليد السلطة، حيث استحوذ النزاع في الغرب من صنعاء بين الشَّرَاحِيين وبني زياد وغيرهم بهدف السيطرة على المناطق التهامية. وفي شمال صنعاء احتدم الصراع بين قبيلة بَكِيْل، بزعامة الدَّعام بن إبراهيم، وقبيلة حاشد بزعامة آل الضَّحاك. وفي منطقة صَعْدَة اشتد النزاع بين بني سَعد، برئاسة آل أبي فَطِيمَة، وقبيلة الرَّبيعة.

ولذلك كان أول عمل قام به الإمام الهادي هو توحيد الجبهة اليمنية، بفض المنازعات بين القبائل، آخذاً في تقرير ملامح سياسته الشرعية التي جعلت من الأسس الإسلامية أساساً تستند إليه حسبما ورد في خطبته حيث قال:

«أيها الناس، أدعوكم إلى ما أمرني الله أن أدعوكم إليه، إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما جاء به الكتاب اتَّبعناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وإلى أن نأمر نحن وأنتم بالمعروف ونفعله، وننهى نحن وأنتم عن المنكر جاهدين ونتركه».

ثم اشترط على نفسه عدة شروط فقال:

«أيها الناس، إني أشترط لكم أربعاً على نفسي: الحكم بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم، أؤثركم فلا أتفضَّل عليكم، وأُقَدِّمَكم عند العطاء قبلي، وأتقدَّم أمامكم عند لقاء عدوي وعدوكم بنفسي. وأشترط لنفسي عليكم اثنتين: النصيحة لله سبحانه وإليَّ في السِّر والعلانية، والطاعة لأمري على كل حالاتكم ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله فلا طاعة لي عليكم، وإن مِلت وعدلت عن كتاب الله وسنة رسوله، فلا حُجَّة لي عليكم»[13].

بهذا تكوّنت دولة الأئمة في اليمن، فأوجدت لها مكانة راسخة في نفوس كثير من اليمنيين، وتتابع عديد من أئمتها آخذين على عاتقهم مهمة توحيد اليمن، في ظل دولة سياسية تعيش حُرَّية فكرية بما لا يتعارض مع الثوابت من الشريعة الإسلامية، متخذين من مدينة صَعدَة عاصمة دينية وسياسية، وجاعلين مدينة صنعاء عاصمة سياسية لهم متى سيطروا عليها، ومن أبرز أولئك الأئمة الذين رسَّخوا قواعد الدولة، وكانت لهم أثارهم البارزة في تشكيل الحياة السياسية والفكرية عبر مختلف الحقب التاريخية:

* الإمام محمد المرتضى ابن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، وقد تنازل عن الإمامة لصالح أخيه أحمد الذي تلقب بالناصر لدين الله، وتوفي سنة 310هـ/922م.

* الإمام الناصر لدين الله أحمد ابن الإمام الهادي إلى الحق يحيى (دعوته301هـ،وفاته325هـ/913-936م).

* الإمام المنصور بالله يحيى ابن الإمام الناصر لدين الله أحمد (دعوته325هـ،وفاته366هـ/ 936-976م).

* الإمام الداعي إلى الله يوسف ابن الإمام المنصور بالله يحيى (دعوته368هـ، وفاته403هـ/978-1012م).

* الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني (دعوته 388هـ، وفاته 393هـ/ 998 - 1002م).

* الإمام أبو الفتح الديلمي[14] الناصر بن الحسين بن محمد (430 - 459هـ/ 1038 - 1066م).

* الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (532-566هـ/1137-1170م).

* الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (583-614هـ / 1187 - 1217م).

* الإمام الداعي إلى الله يحيى بن المحسن (614-636هـ/ 1217-1238م).

* الإمام المتوكل على الله المظلل بالغمام المطهر بن يحيى بن المرتضى (676 - 697هـ/ 1277 - 1297م) .

* الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني (729-749هـ/ 1328-1348م).

* الإمام الناصر للدين صلاح الدين محمد بن علي (773 - 793هـ/ 1371 - 1390م).

* الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المُرْتضى (793 - 840هـ/ 1390 - 1436م).

* الإمام المتوكل على الله المُطهَّر بن محمد بن سليمان الحَمْزي (840 - 879هـ/ 1436 - 1474م).

* الإمام الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن بن علي المؤيد (879 - 900هـ/ 1474 - 1494م).

* الإمام المنصور بالله محمد بن علي الوُشَلي السِّرَاجي (900 - 912هـ/ 1494 - 1506م).

* الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين (912 - 965هـ/ 1506 - 1557م).

* الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ت 1029هـ/ 1619م) ومن بعده ولداه الإمام المؤيد بالله محمد (ت 1054هـ/ 1644م) والإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (1054 - 1087هـ/ 1644 - 1676م).

* الإمام المتوكل على الله المحسن بن أحمد من ذرية الإمام المظلل بالغمام (1271 - 1295هـ / 1854 - 1878م).

* الإمام الهادي شرف الدين بن محمد الحسيني (1296 - 1307هـ/ 1878 - 1889م)، الذي تزامن معه الإمام المنصور بالله محمد بن عبد الله الوزير (1270 - 1307هـ / 1853 - 1889م).

* ومن بعدهم الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى (1307 - 1322هـ/ 1889 - 1904م).

* وأخيراً الإمام المتوكل على الله يحيى بن محمد حميد الدين (1322 - 1367هـ/ 1904 - 1948م)، الذي أسس المملكة المتوكلية اليمنية، لتدخل اليمن مع عهده مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، تقوم عراها على فكرة الملكية الوراثية، التي عمدت إلى تسويغ فكرة توارث السلطة، وسعت إلى تعميد ذلك على أرض الواقع.

وهو ما رفضه عديد من علماء ومثقفي اليمن خلال تلك الفترة، وسعوا إلى تصحيح طبيعة الوضع السياسي الذي فرض عليهم، وفق أسلوب مؤسسي دستوري، يتوافق مع مرتكزات البناء الرئيسي لنظام دولة الأئمة السياسي، ويتناغم مع وتيرة العمل السياسي المؤسسي الحديث، الذي وضحت آلياته في ثنايا بنود ميثاقه الوطني المقدس (الدستور).

إلا أن جهدهم السياسي، وثورتهم العسكرية التي تم إعلانها سنة 1367هـ/1948م لم تكلل بالنجاح، حيث تمكن ولي العهد الأمير أحمد ابن الإمام يحيى من القضاء عليها، فسجن من سجن، وأعدم من أعدم، وقد مكّنه ذلك من أن يتولى حكم اليمن في الفترة ما بين سنتي (1367 - 1382هـ / 1948 - 1962م)، وخلفه نجله ولي العهد الأمير محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين، الذي سقطت المملكة المتوكلية اليمنية في عهده، إثر أحداث السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1962م/ 1382هـ التي آذنت بقيام النظام الجمهوري في اليمن.

وكانت دولة الأئمة الزيدية في اليمن قد عاصرت عدداً من الدول السُّنية المتعاقبة كالدولة الزِّيادية، والنَّجاحية، والصُّليحية، والأيوبية، والرَّسولية، والطاهرية، كما عاصرت من ثم مختلف القوى العثمانية في اليمن خلال العصر الحديث، التي كان ابتداء مجيئها بشكل رسمي سنة 945هـ/ 1538م، وذلك بعد استكمال سيطرتهم على منطقة بلاد الشام ومصر سنة 923هـ/ 1517م، وتبعية شريف مكة أبو نمي الثاني محمد بن بركات (911 - 992هـ/ 1506 - 1584م) للسلطان العثماني سليم الأول في السنة نفسها.

خصائص المذهب الزيدي الفكرية

مع استقرار الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في مدينة صعدة، واتخاذه إياها عاصمة سياسية له، بدأت المدينة في التحول إلى مركز علمي يؤمها العلماء والشعراء، فقامت بها حركة فكرية خصبة، وثار فيها جدل فكري وسياسي، وأصبحت منارة حضارية يُهاجر إليها من داخل اليمن وخارجه[15]، بغض النظر عن مدى حجم التوافق المذهبي والفكري مع السائد في المدينة، وذلك لما اشتهر عنها من التزام بالشرع، ورعاية للحرمات، وموطن للعدل[16].

وكان ممن هاجر إليها من صنعاء: العلامة أبو نصر الحنبصي، وتلميذه العلامة أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، الذي تبلور تكوينه العلمي والوجداني والسياسي بها[17]، علاوة على العلامة نشوان الحميري المتوفى سنة 573هـ/ 1178م، وغيرهم ممن تجذرت خلافاتهم الفكرية مع أئمة المذهب الزيدي في مسائل عديدة، يأتي على رأسها موضوع الإمامة[18]، علاوة على غيرهم من الأئمة الفحول وأقطاب العلماء والشعراء[19]. ثم ما لبثت هذه الحالة المشرقة أن أصبحت ديدن مختلف المدن الزيدية بوجه عام، التي شكّلت معاقل حصينة للعلم والعلماء، وأثمرت عن بروز كمٍّ غزيرٍ ونوعيٍّ من الإنتاج الفكري، الذي لم يكن قاصراً على العلماء والشعراء من أفراد المجتمع وحسب، بل شمل أيضاً جُل أئمة دولة الأئمة الزيدية، الذين تميزوا بغزارة المعرفة وقوة الحجة وفقاً لما تعكسه مؤلفاتهم المعرفية[20].

وقد شكّلت الزيدية نقطة التقاء بين فرق السنة والشيعة، بما تمثله من آراء وأفكار عقدية، واجتهادات وأقوال فقهية، غلب عليها سمت الاعتدال جراء انفتاحها على مختلف المذاهب، ومقتها للانغلاق والتعصب[21].

فهي لم تغالِ في مظاهر تشيعها للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وآل البيت رضوان الله عليهم بصفة عامة، مع إقرارها بفضلهم وأولويتهم، كما لم تخض بالنقد الهادم والمسرف في أمر الخلافات الحاصلة على عهد الخلفاء الراشدين بشكل عام[22].

من جانب آخر، فقد قالت الزيدية في المسائل العقدية بمقالة العدليين من علماء الكلام، واتفقت بذلك مع العديد من المذاهب الإسلامية السنية والشيعية[23]، كما أنها نهجت في بحثها الفقهي، واستنباطها التشريعي، مناهج مختلف الفرق الإسلامية من الاعتماد على روايات آل البيت المروية بطرقهم الخاصة من جهة، وعلى روايات أصحاب المصنفات المشهورة في الحديث، كالبخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم، من جهة أخرى[24].

وكان من جراء ذلك أن تباينت الآراء حول تحديد هوية المذهب الزيدي إجمالاً، ليصنفه البعض على أنه أقرب فرق الشيعة إلى السنة، في حين رأى البعض الآخر أنه مذهب سني بملامح شيعية، معللين ذلك بعدم وجود أي غضاضة عند علمائه في عرض دليل غيرهم دون النظر إلى مدى تطابقه مع اجتهادهم، عوضاً عن القبول به وموافقتهم إياه في آليات الاستنباط وإجراء الحكم، وهو ما جعلهم وفقاً لذلك روّاداً لما يعرف بالفقه المقارن منذ أبكر الفترات التاريخية[25].

وبلغ التباين حدَّه، حين اختلفت الآراء حول تحديد هوية بعض علمائه المذهبية، إذ تم تصنيف السيد محمد بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 840هـ/ 1436م، والسيد حسن بن أحمد الجلال المتوفى سنة 1084هـ/ 1673م، والقاضي صالح المقبلي المتوفى سنة 1108هـ/ 1696م، والسيد محمد بن إسماعيل الأمير المتوفى سنة 1182هـ/ 1768م، والقاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ/ 1834م، على أنهم من علماء مذاهب أهل السنة، بسبب ميلهم للأخذ بمقالة أهل الحديث في الاستنباط الشرعي[26]. وبلغ أوج هذا التباين عند بعض الباحثين ليجعل من السيد الوزير، وابن الأمير، والقاضي الشوكاني، رواداً لمدرسة علمية جديدة لا تمت إلى الزيدية بصلة، كما أنها غير تابعة لمنهج أهل السنة، لكونهم قد كانوا «نوعاً مختلفاً من الرجال، ونوعاً مختلفاً من العلماء ورجال الإصلاح الديني، ليشكّلوا ظواهر خاصة لم تكن قائمة في عصورهم»[27]. على أن الرأيين -في تصوري- لم يكونا دقيقين في تشخيص ملامح هويتهم العلمية وفقاً لمقتضيات المنهج الزيدي الذي يفرض الاجتهاد ويمنع التقليد، كما وبحسب رأي الدكتور صبحي «فإن إيثارهم الفقه والحديث على الكلام والجدل، وميل بعضهم إلى مذهب أهل السلف، لا يعني بحال ما تحوّلهم عن المذهب الزيدي إلى غيره أو إلى مذهب جديد، وإنما تلك سمة التفتح في الزيدية على مر العصور سواء في الأصول أو الفرع»[28].

وفيما يتعلق بمسائل الأصول فقد صنفت الزيدية بوصفها تابعاً للمعتزلة حذو القذة بالقذة[29] استناداً إلى تتلمذ الإمام زيد على يد واصل بن عطاء. وهو ما يصعب القبول به على علاته، لكون الأخير كان ممن يُجوِّز وقوع الإمام علي في الخطأ خلال حربه في موقعة الجمل وصفين على وجه الخصوص.

كما أن الخوارج والإمامية تتفق مع الزيدية في مجمل المسائل العقدية، ولم يُذكر أن أحداً من علمائهم قد تتلمذ على يد واصل أو الإمام زيد نفسه، الشيء الذي يدل على أن مرجعية مختلف تلك الفرق تعود إلى أصل فكري واحد وهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بحسب رأي ابن أبي الحديد المعتزلي الذي قال:

«ما أقول في رجل إليه تعزى كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رأس الفضائل وينبوعها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وبه اقتفى وعلى مثاله احتذى... فالمعتزلة وكبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي وابنه، وأما الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي أحد شيوخ المعتزلة، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر»[30].

على أن الصلة الفكرية كانت وثيقة بين أئمة الزيدية وعلماء المعتزلة التي بلغت حد المناصرة والمبايعة، حيث نادى واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد بإمامة محمد النفس الزكية[31]، وتتلمذ عدد من أئمة الزيدية على بعض علمائهم لاحقاً، وتوّجت تلك العلاقة بإرسال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة المتوفى سنة 614هـ/ 1217م دعاته إلى بغداد لاستنساخ كتب ومصنفات المعتزلة الفكرية، لتصبح مكتبات اليمن -من حينه- مخزناً حافظاً لتراث المعتزلة حتى الوقت الراهن[32].

تجدر الإشارة إلى أن التواصل الثقافي بين أئمة آل البيت وغيرهم من أئمة العلم كان واضحاً ومتجدداً، حيث حرص عديد من علماء وأئمة المذاهب السنية المختلفة على الانتهال من علومهم إجمالاً، والتتلمذ على عدد من علمائهم الزيديين من أمثال: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وصالح من حي، وولده الحسن، ومقاتل بن سليمان، وغيرهم[33].

ومن ذلك أيضاً ما كان من تتلمذ الإمام أبي حنيفة النعمان على أئمة آل البيت بشكل عام، والإمام زيد بن علي بشكل خاص، الذي كان قد أعلن مناصرته له حال خروجه على هشام بن عبد الملك سنة 122هـ/ 739م، وشبَّه خروجه بخروج الرسول عليه الصلاة والسلام يوم بدر[34]، كما جاهر بانحيازه لآل البيت في خلافهم مع بني العباس، مقرراً أولويتهم بالحكم منهم، صادعاً برأيه في تأييد ثورة النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، على أبي جعفر المنصور سنة 145هـ/ 762م، وباكياً مصائر العلويين في تلك الثورة وما بعدها، وهو ما أثار النقمة عليه بعد ذلك[35].

كما اعتمد منهجه العلمي في قبول الحديث على رأي أستاذه الإمام جعفر الصادق الذي لم يكتفِ بتحري الرواة وصدقهم، بل اهتم بتحري معاني الأحاديث، ورفض منها ما يخالف القرآن، أو السنة المشهورة، أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وهو ما يتعارف عليه أئمة آل البيت بمنهج العرض[36].

وكذلك الحال مع الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي مثّل مذهبه بآلياته الفقهية، حلقة وسطى بين مدرسة أهل الرأي القائلين بتقديم العقل على النقل، ومدرسة أهل الحديث الناصين على أهمية تقديم النقل على العقل، وتجلّت وسطية علماء الشافعية في اليمن وغيره في اختيارهم الأخذ برأي الإمام أبي الحسن الأشعري الذي كان من أبرز تلاميذ الإمام أبي هاشم الجُبائي شيخ معتزلة البصرة[37].

وبالتالي فلم تنتفِ مرجعيتهم لأهل السنة، كما ظلّوا متوافقين في عديد من المسائل الرئيسة مع علماء المعتزلة[38]، مما انعكس إيجاباً على طبيعة علاقتهم الفكرية والمذهبية مع علماء الزيدية إجمالاً، لاسيما وأن الإمام الشافعي كان قد اشتهر بميوله التشيعية للإمام علي وآل البيت، المعلنة في مواضع شعرية ونثرية عديدة، إلى الدرجة التي لم يبالِ فيها بأن يُتَّهم بالرفض بحسب قوله في بعضها[39].

وفي مقابل ذلك فلم يعمل الإمام الشافعي على إخفاء موقفه التاريخي والشرعي من البغاة الذين خرجوا على الإمام علي حال توليه الخلافة، مبدياً صواب قتال الإمام علي لهم وأن قتالهم كان واجباً شرعاً بحسب رأيه[40].

وعزّز من هذا التقارب تتلمذ الإمام الشافعي على أيدي أئمة آل البيت وعلمائهم[41]، وتعلُّمه منهم «أن العقل هو أقوى أدوات الاستنباط حين لا يكون نص، وأنه هو وحده أداة فهم النصوص لا الاتِّباع والتقليد»[42]، وكان لذلك كله وغيره أكبر الأثر في بناء طبيعة العلاقة الإيجابية بين الزيدية والشافعية، بحيث انعكس ذلك إيجاباً على تلاميذ المدرستين، حيث لم يتحرّج أحد أبناء المدرسة الزيدية في طبرستان وهو الرضي بن المهدي من التتلمذ على يد العلامة محمد بن محمد الغزالي الشافعي الأشعري المعروف بأبي حامد (450 - 555هـ/ 1058 - 1160م) ورواية كل مصنفاته[43]، كما لم يتوانَ الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة (583 - 614هـ/ 1187 - 1217م) عن رواية مصنفات أبي حامد الغزالي أيضاً[44].

وكان من جرّاء ذلك أن حرص الأئمة الزيديون في اليمن على توثيق عرى الوشائج الفكرية مع العلماء الشافعية، وعملوا على الحفاظ على شخصيتهم الفكرية والسياسية حال السيطرة على مناطق امتدادهم الجغرافي، وهو ما لاحظه المعاون السياسي للمندوب السامي البريطاني في عدن الكولونيل هارلود جيكوب Gaikub حين زيارته لليمن سنة 1338هـ/ 1919م بهدف لقاء الإمام يحيى حميد الدين بقوله:

«وكانت عادت الإمام دوماً وما زالت هي تعيين الحكام على الأقاليم الشافعية من الأشخاص الشوافع تحاشياً من إحراج الأحاسيس الدينية والمشاعر المذهبية عند أبناء هذه الطائفة»[45].

ومارسه بعدئذ الإمام أحمد حميد الدين فعليًّا حال توليه إمارة لواء تعز خلال فترة حكمه لليمن، حيث استقر بمدينة تعز قرابة 25 سنة، لم يؤذن فيها بـ«حي على خير العمل» وهو جزء من الأذان عند الزيدية إلا في مسجده الخاص، في الوقت الذي احتفظت فيه المدينة بشخصيتها الاجتماعية والعلمية والمذهبية.

كما وفي المقابل فقد أخذ الصراع العثماني الإمامي في اليمن، بعد ذلك، طابعه السياسي البحت، بحيث لم يتوانَ القادة العثمانيون الأحناف في توثيق علاقاتهم مع القوى الإسماعيلية الشيعية خلال تواجدهم في الم