الميثاق المقدس والبعد الغائب

لم تحظ "الثورة الدستورية" بدراسات معمقة حتى الآن، والسبب في ذلك يعود إلى شح المعلومات عنها، وباستثناء "رياح التغيير" لـ "أحمد الشامي" و"حياة الأمير" لأحمد بن حمد الوزير فليس هناك من قدم المادة الخام بنفس الموضوعية التي قدماها، والتي أحدثت إلى حد ما تغييرا في دراسة هذه "الثورة الدستورية" التي كانت قد خضعت لدراسات سياسية  عنصرية ومذهبية فترة طويلة طغت فيها الأوراق السياسية على الأوراق التاريخية. وحتى الذين تعاطفوا معها ظلوا خارج أسوارها السياسية، ولم ينفذوا إلى داخلها، مع أن هذه الثورة، وعلى المستوى الإسلامي كله قد أحدثت في الفكر السياسي-ولأول مرة- تغييرا جذريا كبيرا. 

 

ليس من شأني في هذا الحديث أن أتحدث بإسهاب عما قدمته هذه الثورة - في مجال الفكر السياسي - من نقلة نوعية غير مسبوقة ولا ملحوقة حتى الآن، وحسبي فقط أن أشير إلى أن إلغاء الصلاحيات المطلقة للإمام -والتي حفظتها له كل المذاهب الإسلامية- قد أسقطتها "الثورة الدستورية" عن طريق تحديد صلاحياته وربطها بـ "مجلس الشورى"، وأن أشير أيضا إلى أن الطاعة المطلقة للإمام في المنشط والمكره -والتي اشتطت كل المذاهب في اشتراطها له- قد أنهتها الثورة عن طريق قرارات "مجلس الشورى"، وهنا ندرك المغزى العظيم لهذين التغييرين اللذين يمكن اختصار مفعولهما: أن الإمام- أي الحاكم- أصبح  عليه هو أن يطيع الأمة ويخضع لقراراتها بدلا من أن تستسلم هي لصلاحياته الفردية المطلقة، وأن تخضع رقابها لطاعة عمياء في المنشط والمكره. 

 

هذه النقلة وحدها تكفي لأن تشكل في تاريخ الفكر السياسي ما شكلته "المقنا كرتا" من نقلة في تاريخ الفكر السياسي البريطاني خصوصا والأوروبي عموما. مع التسليم بالفارق الكبير بينهما في الرؤية والتطور من ناحية المضامين العميقة الجوهرية؛ ففكر "المقنا السياسي" متخلف بالنظر إلى مضمون فكر "الميثاق السياسي"، ولكن تأثير "الميثاق المقدس" لن يقل عن تأثير "المقنا كرتا" مهما قيل بأن "المقناكرتا" قد قادت إلى ديمقراطية حقيقية ورائعة، بينما لم يوصل "الميثاق المقدس" إلى شيء. إن هذا القول يتجاوز إحتساب الفترة الزمنية القصيرة بين الميثاقين، ويتجاوز صعاب التغيير والعراقيل التي تقف أمام سيره. ومن المسلم به أن التغيير قد يتعثر في أحيان كثيرة بسبب قيام تحركات تبتعد عن المسار الأساسي، وما يزال الوقت مبكرا للحكم على هذه القضية، لكن من المهم- للوصول إلى التغيير المطلوب- المحافظة على روح التغيير الفكري الأساسي وتمييزه عن النافر منه والمارق عنه، إذ بدون هذا التمييز لا يمكن استرجاع النافر ولا إصلاح المارق، وهذا الحرص على المحافظة على التغيير الأساسي-وإن لم تتقدم بالشكل المرئي والمطلوب- إلا أنها هي الطريق الوحيد. 

 

 

 

 

Please reload

Who's Behind The Blog
Recommanded Reading
Search By Tags
Please reload

Follow "THIS JUST IN"
  • LinkedIn Social Icon
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black

    Like what you read? Donate now and help us provide fresh news and analysis for our readers   

© 2019 Copyright Yemen Heritage Center